محمد بن زكريا الرازي
59
كتاب الشكوك على كلام فاضل الأطباء جالينوس
وعلى هذا المثال سواء بعد الشئ أم قرب بعد أن 5 - أيكون مبصرا فإنّ القوة الباصرة إنما تعرف « 1 » عظمه وصغره بالاحتواء عليه والغشى له . والشئ بقدر واحد في نفسه قرب أم بعد . ولا أيضا كان ينبغي أن يعرف مقدار البعد بينه وبينه إذ كان لحوقه له ليس يكون بزمان ، وسواء عليه قرب منه أو بعد إذ كان ليس يحتاج أن يقطع المسافة في زمان . ثم أتى جالينوس بأشياء يروم منها أن يخرج من العين ويبرز منها « 2 » جوهر منير . منها قوله : " إنّ ما كان من الحيوان كثير ضياء العين فإنه إذا نظر نحو أنفه دارت عليه دائرة من الضياء " . ونحن نقول : إنّ ذلك ليس يكون لأنه يخرج من العين نور بل لأن النّور الخارج إذا وقع على العين انعكس فطلع على الأنف كما ينعكس النّور على المرآة والماء فيقع على الجدار أو شئ آخر مما « 3 » يقابل مطرح شعاعه . ومنها ما قال : " إنه يعرض له ولكثير من الناس بعقب النوم الطويل إذا فتحوا أعينهم أن يبصروا بالقرب « 4 » منهم هيئة ثم يفقدون ذلك " . وأنا أقول : إن ذلك يكون لعلّتين : أحدهما أن العين يجيئها في وقت النوم نداوة مشبهة لها في الصّفاء والرّقة غزيرة كثيرة ولذلك تربو « 5 » على النوم وتغور « * » « 6 » في السّهر
--> ( 1 ) تعرف ( م ) . ( 2 ) عنها ( م ) . ( 3 ) بما ( م ) . ( 4 ) ما قرب ( ص ) . ( 5 ) يربو ( م ) و ( ص ) . ( * ) تغور : بمعنى تقل كثيرا وتتضاءل . ( 6 ) يغور ( م ) و ( ص ) .